صناعة القرار الاستثماري

الرجل قبل الرقم:كيف أقرأ الشريك قبل أن أقرأ النموذج المالي

عمر السيابيكل المقالات

يصلني العرض غالباً في صورة ملف: نموذج مالي، وعرض تقديمي، وتوقعات لثلاث سنوات أو خمس. وأول ما أفعله أنني لا أفتحه. لا استخفافاً بالأرقام، بل لأنني أعرف أن الأرقام ستقول لي ما مضى، وأنا أريد أن أعرف أولاً من الذي سيصنع ما هو آتٍ.

لماذا أبدأ من الشخص

الشركة في سنواتها الأولى ليست أصولاً ولا عقوداً، بل سلسلة قرارات يتخذها إنسان تحت ضغط. والنموذج المالي لا يُظهر كيف يتصرف هذا الإنسان حين يخطئ، أو حين يُغريه اختصار، أو حين يحتاج أن يقول «لا أعرف». وهذه اللحظات، لا الأرقام، هي التي تحدد إن كانت الشركة ستبقى.

ولهذا أقول إن معياري في الشخص شيئان لا ثالث لهما: الأمانة والكفاءة. الأمانة أولاً، لأن الكفاءة بلا أمانة تصير خطراً منظّماً. والكفاءة ثانياً، لأن الأمانة بلا كفاءة تصير نية طيبة لا تبني شركة.

الأسئلة التي أطرحها في الجلسة الأولى

أسأل عن آخر قرار صعب اتخذه، وكيف اتخذه، ومن استشار. الجواب يخبرني هل يقرّر وحده أم يقرّر بنظام.

أسأل عن خطأ كلّفه شيئاً حقيقياً، وماذا غيّر بعده. من لا يجد خطأً واحداً في سيرته إمّا لم يخاطر، وإمّا لا يرى أخطاءه، وكلاهما لا يصلح شريكاً.

أسأل من يدير الشركة إذا غاب شهراً. إن كان الجواب «لا أحد»، فأنا أمام مشروع شخص لا كيان، وهذا لا يعني أنني أرفض، بل يعني أن أول عمل لنا معاً سيكون بناء ما يجعله يغيب.

وأسأل عن الشريك السابق، إن وُجد، ولماذا افترقا. طريقة الحديث عن شريك سابق تقول عن الإنسان أكثر مما يقوله عن نفسه.

الأرقام تصف ما مضى، والشخص هو من يصنع ما هو آتٍ.

ثم أفتح الملف

بعد ذلك أقرأ الأرقام، وأقرأها بجدية. لكنني أقرأها بعين مختلفة: لا أسأل هل هذه التوقعات ممكنة، بل أسأل هل هذا الشخص هو من يستطيع تحقيقها. وأبحث عن السقف الحقيقي للمشروع ومصدره: هل هو حجم السوق، أم قدرة الفريق، أم قيد تنظيمي لا يملك أحد تغييره؟

وأتحقق من شيء أخير: هل يمكنني التفاهم مع صاحب المشروع إذا اختلفنا؟ لأن الخلاف قادم لا محالة، وسوء التفاهم لا يُصلحه أي بند في العقد.

ما يعنيه هذا لصاحب المشروع

إن كنت مؤسساً تفكر في شريك، فاعلم أن أفضل ما تقدّمه في الجلسة الأولى ليس عرضاً أنيقاً، بل وضوحاً في كيف تقرّر، وصدقاً في ما لا تعرفه، واستعداداً حقيقياً لأن تفوّض. الرقم يمكن تحسينه بالعمل، أما الطريقة التي يفكر بها الإنسان فلا يغيّرها عقد.

وإن لم نتفاهم في الجلسة الأولى، فهذا جواب كافٍ لكلينا، ولا خسارة فيه لأحد.

إن كان ما تقرأه هنا يشبه طريقتك في التفكير،فربما نتفاهم.

اطلب لقاءً، وستعرف كيف أقرّر وما الذي أرفض قبل أن تستثمر معي.