في كل مجلس أجلس فيه تقريباً أسمع الجملة نفسها بصيغ مختلفة: «عندي مال، ولا أعرف أين أضعه». ليست جملة عن نقص الفرص، فالفرص موجودة، وليست عن نقص المال، فالمال موجود. هي جملة عن مسافة بينهما لا يسدّها أحد.
المسافة التي يسقط فيها رأس المال
على طرف يقف صاحب مال بنى ثروته من عمل يفهمه، ويعرف أن ما يفهمه لا يستوعب كل ماله. وعلى الطرف الآخر مشروع جيد يديره مؤسس يعرف قطاعه، ولا يجد من يقرأه بصدق ويقول له أين السقف الحقيقي. بين الطرفين يقف السوق كله: بنوك تقرض ولا تشارك، ومستشارون يبيعون رأياً ولا يتحمّلون نتيجته، ووسطاء يعرفون من يبيع ومن يشتري ولا يعرفون ما الذي يجعل الصفقة تدوم.
والنتيجة ثروة تنتظر. تنتظر في الودائع، وفي الأراضي التي لا تُطوَّر، وفي حصص شركات عائلية لا تُدار. وليس هذا لأن أصحابها كسالى أو مترددون، بل لأن الخطوة التالية تحتاج معرفة ليست عندهم، ولا يجدون من يقدّمها لهم بلا مصلحة في اتجاه محدد.
ثلاثة أسباب أراها تتكرر
السبب الأول أن أغلب ما يُعرض على صاحب المال يبدأ من الرقم. نموذج مالي أنيق، وتوقعات متفائلة، وعائد يبدو منطقياً على الورق. وصاحب المال يعرف بحدسه أن الورق لا يكذب ولكنه لا يقول الحقيقة كاملة، فيتردد، ويتردد أكثر، ثم يترك المال حيث هو.
السبب الثاني أن الشركة الخاصة عندنا ما زالت في أغلبها شركة شخص. تعمل بجهد صاحبها وتتوقف بتوقفه. ومن يضع ماله في شركة كهذه لا يضع ماله في كيان، بل في إنسان، وهذا رهان لا يقبله عاقل إلا إذا عرف الإنسان جيداً.
السبب الثالث أن كلمة «شراكة» فقدت معناها من كثرة الاستعمال. صار كل من يأخذ مالاً شريكاً، وكل من يدفع مالاً شريكاً، والحقيقة أن الشراكة قرار مشترك قبل أن تكون مالاً مشتركاً. وحين يغيب القرار المشترك، يبقى المال وحده، والمال وحده لا ينمو.
صاحب المال لا يحتاج من يشرح له السوق، بل من يشاركه في اتخاذ القرار فيه.
ما الذي يحتاجه رأس المال كي يعمل
يحتاج أولاً إلى من يقرأ الفرصة من الشخص لا من الرقم. من يقودها، وهل يفوّض، وهل يمكن التفاهم معه إذا ساءت الأمور، فالأمور تسوء دائماً في مرحلة ما. الأرقام تصف ما مضى، والشخص هو من يصنع ما هو آتٍ.
ويحتاج ثانياً إلى نظام يقرّر ويحاسب ويراجع داخل الشركة نفسها. ليس مجلس إدارة شكلياً، بل ترتيباً واضحاً يجعل الشركة تمشي بمسارها لا بجهد صاحبها وحده. وهذا ما أسميه الحوكمة ببساطتها، من غير المصطلحات التي تُخيف أصحاب الشركات الصغيرة.
ويحتاج ثالثاً إلى صبر. ما يُراد له أن يدوم لا يُختار بسرعة. ورأس المال الذي يريد أن يعمل عشرين سنة لا يُوضع في قرار يُتخذ في عشرين دقيقة.
ما لا أدّعيه
لا أدّعي أن هذه القراءة كاملة، ولا أن السوق يتحرك بقانون واحد. هناك قطاعات تتحرك لأسباب تنظيمية، وأخرى لأسباب إقليمية لا علاقة لها بما كتبت. لكنني أرى هذه الأسباب الثلاثة تتكرر في أغلب ما يُعرض عليّ، وأرى أن من يسدّ المسافة بين المال والفرصة، بصدق وبمسؤولية عن نتيجة اختياره، يقدّم للسوق شيئاً أثمن من المال نفسه.
ورفع الوعي هنا ليس تعليماً، بل تمكيناً من القرار. وهذه، إن سألتني، قضيتي.
