لن أذكر القطاع ولا الأسماء، فالغرض ليس الحكاية بل المعيار. جاءني العرض عن طريق معرفة مشتركة: شركة قائمة، في قطاع كان الجميع يتحدث عنه، وأرقام لا يحتاج المرء إلى خبرة كبيرة كي يراها جذابة.
السياق
كان المؤسس يبحث عن شريك يضيف رأس مال واتجاهاً، لا مجرد ممول. وهذا بالضبط ما أقدّمه، فذهبت إلى الجلسة الأولى مهتماً أكثر من المعتاد. العرض التقديمي كان من أفضل ما رأيت، والفريق حاضر ومتحمس، والسوق في لحظة صعود واضحة.
التشخيص
في الجلسة الأولى سألت أسئلتي المعتادة عن القرار والخطأ والتفويض. الأجوبة كانت جيدة، لكنها كانت جيدة أكثر من اللازم. لم يذكر خطأً واحداً كلّفه شيئاً حقيقياً، وكل قرار صعب في سيرته اتُّخذ في الوقت المناسب وبالطريقة المثلى. لم أرتح، لكنني لم أحكم.
في الجلسة الثانية طرحت سؤالاً واحداً: ماذا يحدث إذا اختلفنا على قرار كبير ولم نتفق؟ الجواب كان دائراً حول فكرة واحدة: لن نختلف، لأن الرؤية واضحة. وحين ألححت، تحوّل الحديث إلى الأرقام مجدداً، وإلى أن الفرصة لن تنتظر.
هنا عرفت. ليس لأن الرجل سيئ، فلا أعرف عنه إلا ما رأيت، بل لأنني لم أستطع التفاهم معه على شيء لم يحدث بعد، فكيف سنتفاهم حين يحدث؟
سوء التفاهم لا يُصلحه أي بند في العقد.
القرار
انسحبت بعد الجلسة الثانية، وكتبت له رسالة قصيرة أشكره فيها وأوضح أن السبب ليس في المشروع بل في أنني لا أرى أننا سنقرّر معاً بسهولة. لم يعجبه الجواب، وهذا حقه. وسمعت لاحقاً من أكثر من جهة أنني تركت فرصة نادرة.
أصعب ما في الرفض ليس الرفض نفسه، بل الأسابيع التي تليه حين يبدو الجميع مقتنعاً أنك أخطأت. وأنا في تلك الأسابيع لم أكن واثقاً إلا من شيء واحد: أنني طبّقت معياري، وأن المعيار الذي لا أطبّقه حين يكلّفني شيئاً ليس معياراً.
النتيجة
أثبت الزمن صحة الرفض، ولا أريد أن أزيد على هذه الجملة تفصيلاً، فالتفاصيل تُغري بالشماتة، وليس هذا مقصدي. الأهم عندي أن النتيجة أثبتت المعيار لا الحظ. لو دخلت وربحت لكان ذلك حظاً، ولو دخلت وخسرت لكان ذلك ثمن التنازل عن معياري. أما أنني لم أدخل لأنني لم أستطع التفاهم، فهذا قرار أستطيع تكراره في كل مرة.
ما ثبّتته بعدها
ثبّتُّ أن سؤال «ماذا لو اختلفنا؟» يُطرح في كل جلسة ثانية بلا استثناء، مهما كانت الأرقام. وثبّتُّ أن حماسي لفرصة ما هو أول إشارة إلى أنني أحتاج إلى التريث أكثر لا أقل. وثبّتُّ أن أفضل الصفقات في محفظتي ليست كلها صفقات دخلتها، بل بعضها صفقات رفضتها بالمعيار الصحيح.
أكتب هذا لا لأقول إنني أُحسن الرفض، بل لأقول إن الرفض جزء من المهنة، وإن من لا يستطيع أن يقول «لا» لفرصة لامعة لا يستحق أن يقول «نعم» لواحدة هادئة تدوم.
