من داخل التجربة

الشركات العائلية والجيل الثاني:التفويض قبل التوسّع

عمر السيابي6 دقائق قراءةكل المقالات

تواجه كثير من الشركات العائلية في المنطقة لحظة واحدة تكشف حقيقتها: انتقال القيادة من الجيل المؤسس إلى الجيل الثاني. الشركات رابحة، والأصول موجودة، والموظفون في أماكنهم، لكن غياب المؤسس يكشف في حالات كثيرة أن المؤسسة التي بدت راسخة كانت تعمل عبر شخص واحد، وأن جزءًا كبيرًا من نظامها لم يكن مكتوبًا في أي مكان.

المنطقة كلها مقبلة على تحوّل من هذا النوع. تشير تقديرات مجلس الشركات العائلية الخليجي إلى أن أصولًا تُقدَّر بنحو تريليون دولار يُتوقع انتقالها إلى الجيل التالي في دول مجلس التعاون بحلول عام 2030. هذا ليس حدثًا بعيدًا، بل واقع يقترب من مئات العائلات العُمانية والخليجية في وقت واحد، والاستعداد له يحتاج إلى بنية لا إلى حماس.

في هذه المقالة أخاطب الجيل الثاني بلغة الحوكمة والتفويض، لأن الحماس وحده لا يكفي حين يكون على المحك إرث بُني على مدى عقود.

حين تصبح المؤسسة أوسع من ذاكرة صاحبها

الشركات العائلية عصب اقتصادات المنطقة. تشير تقديرات مسح PwC لعام 2016 إلى أن الشركات العائلية تسهم بنحو 60 في المئة من الناتج المحلي، وتوظف أكثر من 80 في المئة من القوى العاملة في الشرق الأوسط. وفي عُمان تحديدًا، تشكّل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وكثير منها عائلي، نحو 98 في المئة من المنشآت، وتسهم بنحو 33 في المئة من الناتج غير النفطي، وفق البيانات التي تنشرها مجموعة عبداللطيف جميل نقلًا عن مصادر عُمانية.

هذه الأرقام تقول شيئًا بسيطًا: اقتصاد المنطقة يستند إلى مؤسسات بُنيت داخل العائلة. وحين يُتحدث عن انتقال هذه المؤسسات إلى الجيل التالي، فالحديث ليس عن مسألة قانونية أو ضريبية فقط، بل عن انتقال معرفة، وشبكة علاقات، ونمط قرار، ونظام تشغيل يعيش غالبًا في ذاكرة شخص واحد.

المشكلة أن الجاهزية للانتقال أقل بكثير من حجمه. أظهر مسح PwC نفسه لعام 2016 أن 91 في المئة من الشركات العائلية في الشرق الأوسط لا تملك خطة تعاقب موثّقة، أي أن غالبية العائلات تنتظر تحوّلًا كبيرًا في القيادة دون خريطة تديره. هذه الفجوة بين حجم الحدث وضعف الاستعداد هي جوهر المخاطرة.

المفارقة: القوة التي تصبح عبئًا

الجيل المؤسس بنى الشركة بحضوره في كل تفصيل: يعرف كل عميل باسمه، ويوقّع كل قرار بيده، ويحمل النظام كله في رأسه. هذه القوة صنعت النجاح في المرحلة الأولى، ولا يمكن التقليل من قيمتها، فمن دون هذا الحضور المكثف ما كانت هذه الشركات لتقوم أصلًا في بيئة كانت المؤسسات فيها ناشئة والقوانين متغيرة.

لكن القوة نفسها تتحول إلى عبء في المرحلة الثانية. الشركة التي تعتمد كليًا على شخص واحد هشة مهما كبرت، وحين يغيب المؤسس لأي سبب يتعثر القرار لأنه لم يكن يومًا مؤسسيًا. الجيل الثاني يرث الأصول والعلاقات، لكنه لا يرث بالضرورة النظام، لأن النظام لم يوجد أصلًا خارج ذاكرة المؤسس.

هذه المفارقة مصدر كثير من الأزمات في الشركات العائلية العُمانية والخليجية. يأتي الجيل الثاني متعلمًا، ويتحدث لغة الأعمال الحديثة، ويريد أن يطبّق ما تعلمه، لكنه يصطدم بواقع بُني على قواعد مختلفة: الموظفون معتادون على الرجوع إلى شخص واحد، والموردون يتوقعون العلاقة نفسها، والبنوك تريد ضمانات شخصية لا مؤسسية. فيجد نفسه أمام خيارين: أن يحاول أن يكون نسخة من المؤسس، أو أن يبني مؤسسة جديدة فوق ما ورثه.

التفويض ليس تخليًا

يخلط كثير من الجيل الثاني بين التفويض والتخلي عن السيطرة. التفويض ليس تنازلًا، بل إعادة تنظيم. تنقل القرار التشغيلي إلى من يديره يوميًا، وتحتفظ لنفسك بالقرارات الكبرى: الاتجاه، والشراكات، وتوزيع رأس المال. وهذا لا يضعف موقعك، بل يحرّره من التفاصيل التي تستنزفه.

أرى دوري في أي مشروع بهذا الشكل: أضع النظام، ثم أفوّض، ثم أبقى عند القرارات الكبرى. الشركة التي تحتاج المؤسس أو المستثمر في كل قرار صغير شركة لم تُهيكل بعد، والتوسع فوق شركة غير مهيكلة يضاعف الفوضى لا الأرباح.

التفويض الصحيح يحتاج ثلاثة شروط لا تكتمل الصورة بغيرها. الأول: نظام مكتوب، لا شفهي، يوضح صلاحيات كل موقع. الثاني: أشخاص مؤهلون فعلًا لتحمّل ما فُوّض إليهم، لا مجرد أشخاص موثوقين شخصيًا. الثالث: آلية مراجعة دورية تكشف الأخطاء مبكرًا وتصحّحها قبل أن تتراكم. وغياب أي من هذه الشروط يحوّل التفويض من إعادة تنظيم إلى تفريط.

الحوكمة كلغة تُبقي العائلة عائلة

الحوكمة (Governance) ليست عبئًا مستوردًا على العائلة العربية، بل اللغة التي تتيح للعائلة أن تختلف دون أن تتفكك. مجلس إدارة فيه أعضاء من خارج العائلة، وفصل واضح بين الملكية والإدارة، وآلية موثقة لاتخاذ القرار، كلها أدوات تحمي العلاقة قبل أن تحمي المال.

الأرقام تسند أهمية هذا الطرح. أشار مسح PwC للشركات العائلية في الشرق الأوسط لعام 2023 إلى أن 42 في المئة من الشركات العائلية في المنطقة تقول إن النزاع يحدث من وقت إلى آخر داخل العائلة، مقارنة بـ33 في المئة على المستوى العالمي. النزاع ليس علامة فشل، بل نتيجة طبيعية لغياب البنية التي تنظّمه، والحوكمة لا تمنع الخلاف، بل تمنعه من أن يتحول إلى انهيار.

وقد بدأت العائلات في المنطقة تتقبل شركاء من خارجها بشكل ملحوظ. أظهر مسح PwC للأسهم الخاصة والشركات العائلية لعام 2023 أن نحو 90 في المئة من الشركات العائلية باتت منفتحة على استثمار الأسهم الخاصة، بارتفاع كبير عن 61 في المئة قبل عقد. الانفتاح على شريك استراتيجي لم يعد يُنظر إليه كضعف، بل كنضج.

الاستقلالية عن المؤسس

أهم ما يمكن أن يبنيه الجيل الثاني شركة مستقلة عن مؤسسها، لا استقلالًا عاطفيًا بل مؤسسيًا: شركة تعرف كيف تقرر، وكيف تصرف، وكيف تستمر لو غاب أي فرد فيها، بمن فيهم المؤسس نفسه.

هذا الاستقلال هو ما يجعل الشركة قابلة للتوسع، وقابلة للتقييم، وقابلة للبيع إن لزم. ما أبنيه في أي مشروع ليس دخلًا، بل مساحة قرار تعمل بدوني، والجيل الثاني الذي يستوعب هذا يسبق بمراحل من يظل يسأل كيف نكبر قبل أن يسأل كيف نصمد.

من الأخطاء الشائعة أن يبدأ الجيل الثاني من التوسع الجغرافي أو من إطلاق خط منتجات جديد، ظنًا أنه بذلك يثبت نفسه أمام إرث المؤسس. الواقع أن التوسع بلا بنية يكشف الضعف ولا يخفيه، أما البناء المؤسسي الهادئ فهو ما يبني الاحترام على المدى البعيد، حتى لو لم يظهر أثره في السنة الأولى.

متى يكون الخروج قرارًا سليمًا

ليس كل مشروع يجب أن يبقى في العائلة. أحيانًا يكون الخروج (Exit) من مشروع بنته العائلة قرارًا سليمًا لا هزيمة. فحين لا يوجد وريث قادر أو راغب، وحين يكون بيع الحصة لشريك استراتيجي أفضل للأصل من إبقائه تحت إدارة غير مستعدة، يصبح الخروج حماية للإرث لا تفريطًا فيه.

الجيل الثاني الناضج يفرّق بين الوفاء للمؤسس والوفاء للأصل. الوفاء للمؤسس عاطفة، والوفاء للأصل مسؤولية، وأحيانًا يتطلب الوفاء للأصل قرارًا يبدو قاسيًا على العاطفة: أن يُسلَّم ما بناه المؤسس بيده إلى من يديره أفضل.

الوفاء للمؤسس عاطفة، والوفاء للأصل مسؤولية.

هذا القرار ليس سهلًا في السياق العربي، لأن الشركة كثيرًا ما تحمل اسم العائلة، وبيعها يعني في نظر البعض بيع الاسم. لكن الاسم يبقى بأثره لا بملكيته، فعائلات كثيرة حول العالم باعت شركاتها الأصلية وبقيت أسماؤها في تاريخ صناعاتها. البيع الجيد يحفظ الإرث، والاحتفاظ السيّئ يستنزفه.

السؤال الذي يسبق «كيف نتوسع»

سؤال التوسع مغرٍ لأنه يتحدث عن النمو والطموح، لكن سؤال التفويض يسبقه لأنه يتحدث عن البقاء. الشركة التي لا تعمل بدون مؤسسها ليست جاهزة للتوسع، بل معرّضة للخطر عند أول غياب. والجيل الثاني الذي يبدأ من سؤال «كيف نفوّض؟» قبل «كيف نتوسع؟» هو من سيحوّل الإرث إلى مؤسسة، بدل أن يحوّله إلى ذكرى.

أما من وجد نفسه في موقع القيادة قبل أن تكتمل البنية، فالوقت المناسب للتفويض الهادئ قد يكون مضى، لكن البناء ما زال ممكنًا. يبدأ الإنقاذ باعتراف بسيط: ما بُني بحضور شخص واحد لا يمكن أن يستمر بحضور شخص واحد آخر، بل يحتاج أن يُبنى من جديد بمنطق مختلف.

من يستوعب هذه اللحظة يحفظ الإرث، ومن يظن أن الحل في أن يكون نسخة من المؤسس يعرّضه للضياع.

المصادر

  1. مسح PwC للشركات العائلية في الشرق الأوسط 2016pwc.com
  2. مسح PwC للشركات العائلية في الشرق الأوسط 2023pwc.com
  3. مجلس الشركات العائلية الخليجي، تقديرات انتقال الثروة (عبر Khaleej Times)khaleejtimes.com
  4. مسح PwC للأسهم الخاصة والشركات العائلية 2023 (عبر Charles Russell Speechlys)charlesrussellspeechlys.com
  5. المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في عُمان (عبر Abdul Latif Jameel)alj.com

للنقاش حول ما قرأته،أو لطرح سؤال أو فكرة.

راسلني من صفحة التواصل، أو اطلب لقاءً.