في أغلب النقاشات الاستثمارية يتكرّر سؤال واحد بصياغات مختلفة: أين يُوضع رأس المال؟ يبدو السؤال ماليًا في ظاهره، لكنه في جوهره سؤال عن الثقة، لأن صاحب المال لا يبحث عن فرصة بقدر ما يبحث عن جهة يثق بقدرتها على قراءة الفرصة. ومن هذه الزاوية، لا يعاني السوق العُماني اليوم من نقص في رأس المال، بل من فجوة بين رأس المال والقرار الذي يُفترض أن يسبقه.
هذه المقالة ليست دعوة إلى الاستثمار، ولا وعدًا بعائد، بل قراءة للسوق تعرض ثلاث فجوات متكررة بأرقامها الرسمية، كي لا يتحوّل التحليل إلى انطباع، وتترك الحكم للقارئ.
اقتصاد يتحوّل بشكل معلن، وسوق يقرأ التحوّل ببطء
حين أُطلقت رؤية عُمان 2040 في يناير 2021، لم تكن مجرد وثيقة توجيهية، بل إعلانًا صريحًا بأن تركيبة الاقتصاد ستتغيّر. تستهدف الرؤية رفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 61 في المئة عام 2017 إلى قرابة 91.6 في المئة بحلول 2040، وخفض حصة النفط من 39 في المئة إلى 8.4 في المئة، بحسب وثيقتها الرسمية. هذا رقم يعيد ترتيب هرم الاقتصاد بالكامل: من اقتصاد يعتمد على قطاع واحد، إلى اقتصاد يقوم على قطاعات متعددة.
الأرقام الحديثة تسند هذا التحوّل بهدوء. في مراجعة مشاورات المادة الرابعة لعام 2024، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن النمو الحقيقي للناتج المحلي بلغ 1.7 في المئة في 2024، وأن المحرّك الأبرز جاء من القطاعات غير النفطية: الصناعة التحويلية، واللوجستيات، والسياحة، والطاقة المتجددة. وسجّلت المالية العامة فائضًا قدره 3.3 في المئة من الناتج، وتراجع الدين العام إلى نحو 35.5 في المئة، فيما رُفع التصنيف الائتماني للسلطنة إلى الدرجة الاستثمارية في سبتمبر 2024.
الترجمة العملية لهذه الأرقام بسيطة: لم يعد الاقتصاد العُماني يتأثر بكل هبوط في سعر برميل النفط بالحدّة نفسها، وصارت له قاعدة يدير من خلالها التقلّبات. ورؤية 2040 لم تعد شعارًا، بل خريطة تُقاس عليها القرارات.
ويظهر الأثر الآخر لهذا التحوّل في الاستثمار الأجنبي المباشر. بلغ الرصيد التراكمي للاستثمار الأجنبي المباشر (Foreign Direct Investment) نحو 31.4 مليار ريال عُماني بنهاية الربع الرابع من 2025، بارتفاع 8.1 في المئة عن العام السابق، وفق أرقام المركز الوطني للإحصاء والمعلومات. لكن تفاصيل هذا الرقم تكشف الفجوة الأولى.
الفجوة الأولى: رأس المال يتركّز حيث لا يحتاج
من إجمالي 31.4 مليار ريال، ذهب نحو 25.4 مليار إلى قطاع النفط والغاز وحده، فيما تحصل القطاعات غير النفطية، وهي القطاعات التي تراهن عليها الرؤية، على حصة أصغر بكثير. المال العالمي، وهو الأكثر خبرة في تسعير المخاطر، ما زال يتعامل مع عُمان بالمنطق القديم: النفط في المقدمة، وبقية القطاعات في الظل.
القطاعات غير النفطية العُمانية تُوصف بالواعدة، لكنها لا تُموَّل بالحجم الذي تُوصف به. والفجوة بين الوصف والتمويل هي المساحة التي يعمل فيها رأس المال المحلي الجاد: رأس مال يعرف السوق، ولا ينتظر شهادة من الخارج ليدخل، ولا ينافس على حجم الصفقة، بل على جودة اختيارها.
لا أرى قيمتي في أن أكون أكبر مموّل في الصفقة، بل في اختيار الفرصة التي يتجنبها المال السريع لأنها تحتاج صبرًا وبناء نظام. المال الذي يمرّ بسرعة يترك خلفه ضجيجًا لا مؤسسات، والفرص غير النفطية في عُمان اليوم تحتاج شريكًا يبقى فيها، لا ممولًا يعبر.
الفجوة الثانية: قطاعات تنمو أسرع من قدرتها على الحوكمة
القطاعات الواعدة في عُمان تنمو بأرقام واضحة لا تحتاج إلى مبالغة. ارتفعت مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي إلى 2.7 مليار ريال عُماني في 2024، مقارنة بـ2.3 مليار عام 2018، واستقبلت السلطنة نحو 3.8 مليون زائر في 2024، بحسب المركز الوطني للإحصاء والمعلومات. نمو مستقر أكثر منه صاخبًا، وهذا في السياق الاقتصادي أهم من القفزات التي لا تصمد.
اللوجستيات تنمو بدورها. تجاوزت الموانئ العُمانية مناولة 137 مليون طن من البضائع في 2024، بارتفاع 15 في المئة عن 119 مليون طن في 2023، وفق بيانات وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات. وناول ميناءا صلالة وصحار معًا نحو 4.2 مليون حاوية نمطية في العام نفسه، منها قرابة 3.3 مليون في صلالة وحده، وهو ما يفسّر لماذا تُعدّ الجغرافيا العُمانية من أثمن ما تملكه المنطقة.
التعدين والطاقة المتجددة يحملان طموحًا أكبر. تستهدف الرؤية رفع مساهمة التعدين في الناتج من 1.4 في المئة عام 2020 إلى 10 في المئة بحلول 2040، وفق منصة Invest Oman. أما الهيدروجين الأخضر، فتستهدف عُمان إنتاج مليون طن سنويًا بحلول 2030، ضمن استراتيجية تُقدَّر استثماراتها بنحو 49 مليار دولار لتحقيق هدف 2030، وترتفع إلى نحو 140 مليار دولار بحلول 2050، بحسب استراتيجية شركة هيدروم وتقديرات وكالة الطاقة الدولية.
هذه الأرقام تصف قطاعات تتحرك بسرعة، لكن نمو القطاع لا يعني تلقائيًا نمو القدرة الإدارية داخل الشركات العاملة فيه. فحين تُفحص شركة ناشئة في اللوجستيات أو السياحة، ويُسأل عن مجلس إدارتها، وآلية اتخاذ القرار فيها، ومصدر المعلومة التي يُقاس عليها الأداء، يتضح أن كثيرًا من هذه الشركات يعتمد كليًا على حماس المؤسس وعلاقاته الشخصية: المؤسس يعرف كل شيء، ويوقّع كل شيء، ويجيب عن كل شيء، وحين يغيب تتوقف نصف القرارات.
هذه الفجوة بين سرعة السوق وبطء الحوكمة (Governance) هي المكان الذي أرى فيه دور الشريك الاستراتيجي. القطاع ينمو، لكن الشركة العاملة فيه لم تنمُ بعد، وحين يدخل رأس مال جديد على شركة غير مهيكلة فإنه يضاعف الفوضى لا الأرباح. لهذا أفضّل أن تُبنى الهيكلة قبل أن يدخل المال، لا بعده.
الفجوة الثالثة: التمويل متوفر، والقرار الاستثماري غائب
وسّعت الدولة أدوات التمويل في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ. أطلقت هيئة الاستثمار العُمانية صندوق عُمان المستقبل في يناير 2024 برأس مال يبلغ ملياري ريال عُماني، يُستثمر على خمس سنوات بواقع 400 مليون ريال سنويًا، ويخصّص 90 في المئة للمشاريع الكبرى، و7 في المئة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، و3 في المئة للشركات الناشئة، بحسب ما أُعلن عند الإطلاق. هذا رقم يعيد رسم خريطة التمويل في السلطنة.
بورصة مسقط بدورها توسّعت. بلغت قيمتها السوقية أكثر من 32 مليار ريال بنهاية 2025، مقارنة بنحو 22 مليارًا في نهاية 2021، وارتفعت قيمة التداول من نحو 818 مليون ريال في 2021 إلى أكثر من 5 مليارات ريال في 2025. هذه أرقام تصف سوقًا يستعيد سيولته بعد سنوات من الركود.
وعلى مستوى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بلغ عدد المسجلين لدى هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (ريادة) نحو 130,359 مؤسسة بنهاية ديسمبر 2025، وبلغت مساهمة القطاع في الناتج المحلي نحو 21 في المئة بنهاية 2024، وفق البيانات المنشورة في جريدة عُمان.
لكن توفر التمويل لا يعني توفر القرار. قد يحصل المؤسس على المال، ثم يكتشف أنه لا يملك مجلس إدارة يوجّهه، ولا فصلًا بين الملكية والإدارة، ولا مسارًا واضحًا لاتخاذ القرار حين يختلف الشركاء. يدخل المال الشركة قبل أن يدخلها النظام، فيتضخم الخلل بدل أن ينضبط. وهذا مسار معروف في الأسواق الناشئة: شركة تحصل على تمويل كبير، فتتوسع بسرعة، ثم تتعثر بعد سنوات قليلة لأنها بنت نموًا على أرضية غير مستوية.
أؤمن أن الهيكلة تسبق التمويل، لا العكس، وأن الشركة التي تحتاج إلى المال قبل أن تحتاج إلى نظام ستفقد المال والنظام معًا.
السوق لا يكافئ من يملك المال، بل من يعرف أين يضعه ومن يديره.
السؤال الذي يسبق السؤال
الأرقام تقول إن عُمان تتحرك: الرؤية معلنة، والتمويل متوفر، والقطاعات تنمو. لكن السوق لا يكافئ من يملك المال، بل من يعرف أين يضعه ومن يديره. الفجوة الحقيقية اليوم ليست في رأس المال، بل في القرار الذي يسبقه.
وحين يُطرح السؤال المعتاد: «أين يُوضع هذا المال؟»، فالجواب الأجدى ليس اسم قطاع ولا اسم شركة، بل سؤال آخر يُفترض أن يُجاب عنه أولًا: «من الذي سيُؤتمن على إدارة هذا المال؟». لأن اختيار الجهة يسبق اختيار الفرصة، ولأن الاستثمار في جوهره ليس مواجهة بين مال وعائد، بل علاقة طويلة تحت ضغط بين طرفين يتقاسمان القرار.
من يفهم هذا الترتيب يقرأ العقد المقبل من السوق العُماني بشكل صحيح، ومن يبدأ من السؤال الخطأ يبقى يبحث عن فرصة بلا نهاية.
المصادر
- وثيقة رؤية عُمان 2040، وحدة متابعة تنفيذ الرؤيةoman2040.om
- صندوق النقد الدولي، مشاورات المادة الرابعة 2024 مع عُمانimf.org
- المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، بيانات الاستثمار الأجنبي المباشر (عبر Muscat Daily)muscatdaily.com
- المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، بيانات السياحة (عبر Oman Observer)omanobserver.om
- وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، بيانات الموانئmtcit.gov.om
- منصة Invest Oman، قطاع التعدينinvestoman.om
- هيدروم، استراتيجية الهيدروجين الأخضرhydrom.om
- هيئة الاستثمار العُمانية، صندوق عُمان المستقبل (عبر Oman Observer)omanobserver.om
- بورصة مسقط (عبر Oman Observer)omanobserver.om
- هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (ريادة) (عبر Oman Observer)omanobserver.om
